فصل: رعي حشيش الحرم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


رضخ

التّعريف

1 - الرّضخ في اللّغة العطاء القليل، يقال‏:‏ رضخت له رضخاً، ورضيخاً، أي أعطيته شيئاً ليس بالكثير‏.‏ والأصل فيه الرّضخ بمعنى الكسر‏.‏

والمال المعطى يسمّى‏:‏ رضخاً تسميةً بالمصدر، وهو فعل بمعنى مفعولٍ‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ الرّضخ عطيّة من الغنيمة يجتهد الإمام في قدره‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - السّهم‏:‏

2 - السّهم هو النّصيب المحكم، والجمع أسهم، وسهام بالكسر، وسهام بالضّمّ يقال‏:‏ أسهمت له‏:‏ أعطيته سهماً‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ نصيب مقدّر للمحاربين في الغنيمة، والصّلة بين السّهم والرّضخ هي أنّ السّهم مقدّر والرّضخ دون السّهم باجتهاد الإمام‏.‏

ب - التّنفيل‏:‏

3 - التّنفيل في اللّغة من النّفل وهو الغنيمة، وفي الاصطلاح‏:‏ زيادة مالٍ على أسهم الغنيمة يشترطه الإمام أو نائبه لمن يقوم بما فيه نكاية في العدوّ‏.‏

والصّلة بين الرّضخ والتّنفيل، أنّ كلاً منهما جزء غير مقدّرٍ من الغنيمة‏.‏

ج - السّلب‏:‏

4 - وهو في اللّغة‏:‏ كلّ شيءٍ على الإنسان من اللّباس وغيره‏:‏ ويقال‏:‏ سلبته أسلبه سلباً‏:‏ إذا أخذت سلبه‏.‏

وفي الاصطلاح ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه، ممّا يكون عليه ومعه، من ثيابٍ وسلاحٍ ودابّةٍ‏.‏

والصّلة بين السّلب والرّضخ، هي أنّ السّلب فيه زيادة على السّهم، والرّضخ عطيّة دون السّهم‏.‏

الحكم التّكليفيّ

5 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الرّضخ حقّ واجب يستحقّه المرضوخ له لعملٍ قام به وفيه نفع للقتال‏.‏

وفي قولٍ للشّافعيّة‏:‏ هو مستحبّ، وليس بحقٍّ ثابتٍ‏.‏

والرّضخ غير مقدّرٍ، فيجتهد الإمام في مقداره، وله أن يسوّي بين من يرضخ لهم، وأن يفاضل بينهم حسب نفعهم في القتال، فيرجّح المقاتل على غيره، ومن قتاله أكثر، والفارس على الرّاجل، والمرأة الّتي تداوي الجرحى وتسقي العطاش على الّتي تحفظ الرّحال‏.‏

أصحاب الرّضخ

6 - أصحاب الرّضخ كلّ من لم يلزمه القتال إلاّ في حالة الضّرورة، وقام بعملٍ مفيدٍ في القتال، كالنّساء، والصّبيان المميّزين، ونحو ذلك ممّن ليس من أهل الجهاد، ووجب إعطاؤهم للآثار الواردة في ذلك‏.‏

كخبر عميرٍ مولى أبي اللّحم قال‏:‏ » شهدت خيبر مع سادتي فكلّموا فيَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكلّموه أنّي مملوك، فأمر لي بشيءٍ من خرثيّ المتاع «‏.‏

وخبر ابن عبّاسٍ قال‏:‏ » كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يغزو بالنّساء فيداوين المرضى، ويحذين من الغنيمة، وأمّا بسهمٍ فلم يضرب لهنّ بسهمٍ «‏.‏

وكان الصّبيان يحذون من الغنيمة ولا يسهم لهم إذا حضروا الحرب، لأنّهم ليسوا من أهل الجهاد‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ لا يرضخ لأحدٍ ممّن ذكر، ولا يسهم لهم وإن قاتلوا، إلاّ الصّبيان فإنّهم يسهم لهم إذا قاتلوا‏.‏

والذّمّيّ إن حضر القتال بإذن الإمام فإنّه يرضخ له عند الحنفيّة والشّافعيّة ولا يسهم له، لأنّه ليس من أهل الجهاد واختلفت الرّوايات عن أحمد فروي عنّة أنّه يسهم له كالمسلم، وبهذا قال الأوزاعيّ، والزّهريّ، والثّوريّ، وقالوا‏:‏ » إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استعان بأناسٍ من اليهود في حربه فأسهم لهم «‏.‏

الرّضخ للدّوابّ

7 - لا يسهم لغير الفرس من الدّوابّ، كالبعير، والحمار، والفيل والبغل، لأنّ هذه الدّوابّ لا تصلح للكرّ والفرّ صلاحية الخيل لهما، ولكن يرضخ لها فيرضخ لراكبها، بعد أن يأخذ سهم الرّاجل‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏غنيمة‏)‏‏.‏

محلّ الرّضخ

8 - اختلف الفقهاء في محلّ الرّضخ، فقال الحنفيّة‏:‏ إنّه يرضخ من أصل الغنيمة قبل إخراج الخمس، وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة، لأنّه استحقّ بالمعاونة في تحصيل الغنيمة فأشبه أجرة النّقّالين والحافظين لها‏.‏

والأظهر عند الشّافعيّة، أنّه من أربعة الأخماس‏.‏ وفي قولٍ لهم من خمس الخمس‏.‏

وهو عند المالكيّة من الخمس‏.‏

وانظر‏:‏ ‏(‏غنيمة‏)‏‏.‏

مقدار الرّضخ

9 - هو ما دون قيمة السّهم من الغنيمة عند الجمهور، وعند المالكيّة موكول تقدير قيمته للإمام‏.‏

زمن الرّضخ

10 - هو تبع لزمن قسمة الغنيمة إن في دار الحرب أو بعد الرّجوع، للخلاف الوارد في قسمتها‏.‏

‏(‏ر‏:‏ غنيمة‏)‏‏.‏

رطل

انظر‏:‏ مقادير

رطوبة

التّعريف

1 - الرّطوبة لغةً‏:‏ مصدر رطب، تقول رطب الشّيء بالضّمّ إذا ندي، وهو خلاف اليابس الجافّ، والرّطوبة بمعنى البلل والنّداوة‏.‏

ولا يخرج معنى الرّطوبة في الاصطلاح عن المعنى اللّغويّ، إلاّ أنّ الحنابلة فرّقوا في الحكم بين الرّطوبة والبلل‏.‏ قال في كشّاف القناع‏:‏ لو قطع بالسّيف المتنجّس ونحوه بعد مسحه قبل غسله فما فيه بلل كبطّيخٍ ونحوه نجّسه لملاقاة البلل للنّجاسة، فإن كان ما قطعه به رطباً لا بلل فيه كجبنٍ ونحوه فلا بأس به كما لو قطع به يابساً، لعدم تعدّي النّجاسة إليه‏.‏

الحكم الإجماليّ

أ - رطوبة فرج المرأة‏:‏

2 - اختلف الفقهاء في طهارة رطوبة فرج المرأة وهي ماء أبيض متردّد بين المذي والعرق‏.‏

فذهب أبو حنيفة والحنابلة إلى طهارتها، ومن ثمّ فإنّ رطوبة الولد عند الولادة طاهرة‏.‏ ومحلّ الطّهارة عند الحنفيّة إذا لم يكن دم، ولم يخالط رطوبة الفرج مذي أو منيّ من الرّجل، أو المرأة‏.‏

وذهب المالكيّة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة إلى نجاسة رطوبة الفرج، ويترتّب على نجاسة رطوبة الفرج تنجيس ذكر الواطئ أو ما يدخل من خرقةٍ أو أصبعٍ‏.‏

وقسّم الشّافعيّة رطوبة الفرج إلى ثلاثة أقسامٍ‏:‏ طاهرةٍ قطعاً، وهي ما تكون في المحلّ الّذي يظهر عند جلوس المرأة، وهو الّذي يجب غسله في الغسل والاستنجاء، ونجسةٍ قطعاً وهي الرّطوبة الخارجة من باطن الفرج، وهو ما وراء ذكر المجامع، وطاهرةٍ على الأصحّ وهي ما يصله ذكر المجامع‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏فرج‏)‏‏.‏

ب - رطوبة فرج الحيوان‏:‏

3 - ذهب الجمهور إلى طهارة رطوبة فرج الحيوان الطّاهر، وقد نصّ الحنفيّة على طهارة رطوبة السّخلة إذا خرجت من أمّها وكذا البيضة، فلا يتنجّس بها الثّوب ولا الماء إذا وقعت فيه، وإن كرهوا التّوضّؤ به للاختلاف‏.‏

وعند الشّافعيّة رطوبة الفرج طاهرة من كلّ حيوانٍ طاهرٍ ولو غير مأكولٍ‏.‏

وخصّ المالكيّة طهارة رطوبة فرج الحيوان بالمباح الأكل فقط، وقيّدوه بقيدين‏:‏

أحدهما‏:‏ ألاّ يتغذّى على نجسٍ، وثانيهما‏:‏ أن يكون ممّا لا يحيض كالإبل، وإلاّ كانت نجسةً عقب حيضه، وأمّا بعده فطاهرة‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏فرج، نجاسة‏)‏‏.‏

ج - ملاقي رطوبة النّجاسة‏:‏

4 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ والمالكيّة في المذهب إلى أنّ ملاقي رطوبة النّجاسة لا ينجّس‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ إذا لفّ طاهر جافّ في نجسٍ مبتلٍّ واكتسب الطّاهر منه الرّطوبة فقد اختلف فيه المشايخ فقيل‏:‏ يتنجّس الطّاهر، واختار الحلوانيّ أنّه لا يتنجّس إن كان الطّاهر بحيث لا يسيل منه شيء ولا يتقاطر لو عصر، وهو الأصحّ، واشترط بعض الحنفيّة أن يكون الثّوب النّجس الرّطب هو الّذي لا يتقاطر بعصره‏.‏

وذهب الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة إلى نجاسة ملاقي رطوبة النّجاسة‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏نجاسة‏)‏‏.‏

د - مسائل في الاستجمار‏:‏

5 - اشترط الفقهاء فيما يستجمر به أن يكون جافّاً لا رطوبة فيه، وذلك لأنّ غير الجافّ لا يحصل به الإنقاء‏.‏

كما شرط الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لجواز الاستجمار بالحجر ألاّ يجفّ الغائط بأن يكون رطباً، فإن جفّ تعيّن الماء ولا يجزيه الحجر‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏استنجاء‏)‏‏.‏

هـ – المنيّ الرّطب‏:‏

6 – يختلف حكم المنيّ الرّطب عن المنيّ اليابس عند جمهور الفقهاء‏.‏

فذهب الحنفيّة إلى أنّ محلّ المنيّ اليابس يطهر بفركه، ولا يضرّ بقاء أثره، فإن كان رطباً فلا بدّ من غسله ولا يجزئ الفرك، وعند المالكيّة لا تطهر النّجاسة إلاّ بالغسل فيما لا يفسد بالغسل‏.‏

وعند الشّافعيّة يسنّ غسل المنيّ مطلقاً سواء كان رطباً أو جافّاً‏.‏

وعند الحنابلة يسنّ غسله رطباً وفركه جافّاً، لقول عائشة رضي الله عنها في المنيّ‏:‏ » لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فركاً، فيصلّي فيه « علماً بأنّ الحنفيّة والمالكيّة يقولون بنجاسة المنيّ خلافاً للشّافعيّة والحنابلة الّذين يقولون بطهارته‏.‏ انظر مصطلح ‏(‏نجاسة، ومنيّ‏)‏‏.‏

رعاف

التّعريف

1 - الرّعاف لغةً‏:‏ اسم من رعف رعفاً، وهو خروج الدّم من الأنف، وقيل‏:‏ الرّعاف الدّم نفسه، وأصله السّبق والتّقدّم، وفرس راعف أي سابق، وسمّي الرّعاف بذلك لأنّه يسبق علم الشّخص الرّاعف‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالرّعاف

انتقاض الوضوء بالرّعاف

2 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الوضوء لا ينتقض بخروج شيءٍ من غير السّبيلين كدم الفصد، والحجامة، والقيء، والرّعاف، سواء قلّ ذلك أو كثر، لما روى أنس رضي الله عنه‏:‏» أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احتجم فصلّى ولم يتوضّأ ولم يزد على غسل محاجمه «‏.‏ وبهذا قال عمر، وابن عبّاسٍ وابن أبي أوفى، وجابر وأبو هريرة، وعائشة وسعيد بن المسيّب وسالم بن عبد اللّه بن عمر، والقاسم بن محمّدٍ، وطاوس، وعطاء، ومكحول وربيعة، وأبو ثورٍ‏.‏

قال البغويّ‏:‏ وهو قول أكثر الصّحابة‏.‏

ويرى الحنابلة أنّ الرّعاف لا ينقض الوضوء إلاّ إذا كان فاحشاً كثيراً‏.‏

أمّا كون الكثير ينقض الوضوء، فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة لفاطمة بنت أبي حبيشٍ عن دم الاستحاضة‏:‏ » إنّما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة «، وفي روايةٍ‏:‏ » توضّئي لكلّ صلاةٍ «‏.‏ ولأنه نجاسة خارجة من البدن أشبهت الخارج من السّبيل‏.‏

وأمّا كون القليل لا ينقض فلمفهوم قول ابن عبّاسٍ في الدّم إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة‏.‏ قال أحمد‏:‏ عدّة من الصّحابة تكلّموا فيه، وابن عمر عصر بثرةً فخرج الدّم فصلّى ولم يتوضّأ، وابن أبي أوفى عصر دمّلاً، وذكر أحمد غيرهما، ولم يعرف لهم مخالف من الصّحابة فكان إجماعاً‏.‏

ويرى الحنفيّة القائلون بنقض الوضوء بسيلان الدّم عن موضعه أنّ الرّعاف ينقض الوضوء، وكذا لو نزل الدّم من الرّأس إلى ما لان من الأنف ولم يظهر على الأرنبة نقض الوضوء‏.‏

وهو مذهب الثّوريّ والأوزاعيّ وأحمد وإسحاق، قال الخطّابيّ‏:‏ وهو قول أكثر الفقهاء، وحكاه غيره عن عمر بن الخطّاب وعليٍّ رضي الله عنهما، وعن عطاءٍ، وابن سيرين، وابن أبي ليلى‏.‏

واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » الوضوء من كلّ دمٍ سائلٍ « ووجه الاستدلال أنّ مثل هذا التّركيب يفهم منه الوجوب‏.‏

كما احتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضّأ ثمّ ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلّم «‏.‏

ونقل العينيّ أنّ وجه الاستدلال بالحديث من وجوهٍ‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّه أمر بالبناء وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز، ولا جواز للبناء إلاّ بعد الانتقاض، فدلّ بعبارته على البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه‏.‏

والثّاني‏:‏ أنّه أمر بالوضوء ومطلق الأمر للوجوب‏.‏

والثّالث‏:‏ أنّه أباح الانصراف، وهو لا يباح بعد الشّروع إلاّ به‏.‏

هذا ومن يرى أنّ الرّعاف ينقض الوضوء يعتبر الرّعاف الدّائم عذراً من الأعذار الّتي تبيح العبادة مع وجود العذر‏.‏

3 - وشرط اعتبار الرّعاف عذراً ابتداءً عند هؤلاء الفقهاء أن يستوعب استمراره وقت الصّلاة كاملاً‏.‏ بمعنى أنّ من حصل له الرّعاف واستمرّ لم يجز له أن يصلّي أوّل صلاةٍ إلاّ في آخر وقتها، لعدم ثبوت حكم دائم الحدث له، واحتمال انقطاعه، فإن استمرّ الحدث إلى آخر وقت الصّلاة ثبت له حكم دائم الحدث، فيصحّ أن يصلّي الثّانية أو ما بعدها في أوّل وقتها‏.‏

كما يشترط أن لا يمضي على الرّاعف وقت صلاةٍ إلاّ والرّعاف فيه موجود، حتّى لو انقطع الرّعاف وقتاً كاملاً خرج من أن يكون صاحب عذرٍ من وقت الانقطاع‏.‏

4 - ومن به رعاف دائم يتوضّأ لوقت كلّ صلاةٍ، ويصلّي به ما شاء من الفرائض والنّوافل، هذا عند الحنفيّة والحنابلة إن خرج منه الدّم، أمّا إن لم يخرج منه شيء فلا يتوضّأ عندهم‏.‏

وينتقض وضوء الرّاعف بخروج الوقت عند أبي حنيفة، ومحمّدٍ، والحنابلة، وعند زفر ينتقض بدخول الوقت‏.‏ وعند أبي يوسف بأيّهما كان، وهو قول أبي يعلى‏.‏

أمّا المالكيّة فإنّهم يقولون‏:‏ إنّ من رعف قبل الدّخول في الصّلاة فإنّه يؤخّر الصّلاة لآخر الوقت الاختياريّ إذا كان يرجو انقطاع الرّعاف، أمّا إذا علم أنّه لا ينقطع فإنّه يصلّي به على تلك الحال في أوّل الوقت، إذ لا فائدة في تأخيره، ثمّ إن انقطع في وقته ليست عليه إعادة‏.‏

بناء الرّاعف على صلاته

5 - يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ الرّعاف لا يفسد الصّلاة فيجوز للرّاعف البناء على صلاته لما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ » من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضّأ ثمّ ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلّم « ولما روي أنّ عليّاً رضي الله عنه كان يصلّي خلف عثمان رضي الله عنه فرعف فانصرف وتوضّأ وبنى على صلاته‏.‏

ونقل الباجيّ عن القاضي أبي محمّدٍ إجماع الصّحابة على أنّ الرّعاف لا يبطل الصّلاة ولا يمنع البناء‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ الدّم من الخبث لا تصحّ الصّلاة معه مع الذّكر والقدرة كسائر النّجاسات‏.‏ فمن رعف في الصّلاة وظنّ دوامه لآخر الوقت المختار تمادى في صلاته وجوباً على حالته الّتي هو بها، ولا فائدة في القطع ما لم يخش من تماديه تلطّخ فرش المسجد ولو خشيه ولو بقطرةٍ قطع صوناً للمسجد من النّجاسة‏.‏

وإن لم يظنّ دوامه لآخر المختار بل ظنّ انقطاعه فيه أو شكّ فلا يخلو إمّا أن يكون سائلاً، أو قاطراً، أو راشحاً‏.‏

فإذا كان الدّم سائلاً، أو قاطراً ولم يلطّخه ولم يمكنه فتله، فإنّه يخيّر بين البناء والقطع، واختار ابن القاسم القطع، فقال‏:‏ هو أولى، وهو القياس‏.‏

قال زرّوق‏:‏ إنّ القطع أنسب بمن لا يحسن التّصرّف في العلم، واختار جمهور الأصحاب ‏"‏ المالكيّة ‏"‏ البناء لعمل أهل المدينة، وقيل‏:‏ هما سيّان، وذكر ابن حبيبٍ ما يفيد وجوب البناء‏.‏

أمّا إذا كان الدّم راشحاً بأن لم يسل ولم يقطر بل لوّث طاقتي الأنف وجب تمادي الرّاعف في الصّلاة وفتل الدّم إن أمكن بأن لم يكثر، أمّا إذا لم يمكن لكثرته كان حكمه حكم السّائل والقاطر في التّخيير بين القطع والبناء‏.‏

6- ويخرج مريد البناء لغسل الدّم حال كونه ممسكاً أنفه من أعلاه وهو مارنه، لا من أسفله من الوترة لئلاّ يبقى الدّم في طاقتي أنفه، فإذا غسله بنى على ما تقدّم له بشروطٍ ستّةٍ‏:‏

أ - أن لا يتلطّخ بالدّم بما يزيد على درهمٍ‏.‏ أمّا إذا تلطّخ بما زاد على درهمٍ فيجب عليه قطع الصّلاة ويبتدئها من أوّلها بعد غسل الدّم‏.‏

ب - أن لا يجاوز أقرب مكان ممكنٍ لغسل الدّم فيه، فإن جاوز الأقرب مع الإمكان إلى أبعد منه بطلت صلاته‏.‏

ج - أن يكون المكان الّذي يغسل الدّم فيه قريباً فإن كان بعيداً بطلت صلاته‏.‏

د - أن لا يستدبر القبلة من غير عذرٍ فإن استدبرها من غير عذرٍ بطلت صلاته على المشهور من المذهب‏.‏

وقال اللّخميّ‏:‏ إذا استدبر الرّاعف القبلة لطلب الماء لم تبطل صلاته‏.‏

وقال القاضي عبد الوهّاب وابن العربيّ وجماعة‏:‏ يخرج كيف أمكنه‏.‏

هـ- أن لا يطأ في مشيه على نجاسةٍ، وظاهره مطلقاً، وإلاّ بطلت صلاته، سواء أكانت النّجاسة رطبةً أم يابسةً، وسواء أكانت من أرواث الدّوابّ وأبوالها، أم من غير ذلك، وسواء أوطئها عمداً أم سهواً‏.‏

و- أن لا يتكلّم في مضيّه للغسل، فإن تكلّم عامداً أو جاهلاً بطلت صلاته‏.‏

7- ثمّ الرّاعف لا يخلو إمّا أن يكون منفرداً أو مقتدياً أو إماماً، فإن كان منفرداً فله أن يبني عند الحنفيّة ومالكٍ في أحد قوليه، وبه قال محمّد بن مسلمة، لأنّ ما يمنع البناء وما لا يمنعه لا يختلف فيه الفذّ وغيره، كالسّلام من اثنتين فيما طال وفيما قصر - والمأموم له البناء باتّفاق المالكيّة - ولأنّه قد عمل شيئاً من الصّلاة فلا يبطله بغير تفريطٍ منه، ولأنّه قد حاز فضيلة أوّل الوقت بذلك القدر فلا يفوت ذلك عليه كفضيلة الجماعة‏.‏

والقول الآخر عن مالكٍ‏:‏ أنّ الرّاعف ليس له البناء، وهو المشهور من مذهبه‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ إن كان منفرداً فانصرف وتوضّأ فهو بالخيار إن شاء أتمّ صلاته في الموضع الّذي افتتح الصّلاة فيه، لأنّه إذا أتمّ الصّلاة حيث هو فقد سلمت صلاته عن المشي، لكنّه صلّى واحدةً في مكانين، وإن عاد إلى مصلاه فقد أدّى جميع الصّلاة في مكان واحدٍ لكن مع زيادة مشيٍ فاستوى الوجهان فيخيّر‏.‏

وقال بعض الحنفيّة‏:‏ يصلّي في الموضع الّذي توضّأ فيه من غير خيارٍ، ولو أتى المسجد تفسد صلاته، لأنّه تحمّل زيادة مشيٍ من غير حاجةٍ‏.‏

وعامّة الحنفيّة قالوا‏:‏ لا تفسد صلاته، لأنّ المشي إلى الماء والعود إلى مكان الصّلاة ألحق بالعدم شرعاً‏.‏

وإن كان الرّاعف مقتدياً فانصرف وتوضّأ فإن لم يفرغ إمامه من الصّلاة فعليه أن يعود لأنّه في حكم المقتدي بعد، ولو لم يعد وأتمّ بقيّة صلاته في بيته لا يجزئه، لأنّه إن صلّى مقتدياً بإمامه لا يصحّ لانعدام شرط الاقتداء، وهو اتّحاد البقعة إلاّ إذا كان بيته قريباً من المسجد بحيث يصحّ الاقتداء، وإن صلّى منفرداً في بيته فسدت صلاته، لأنّ الانفراد في حال وجوب الاقتداء يفسد صلاته لأنّ بين الصّلاتين تغايراً، وقد ترك ما كان عليه وهو الصّلاة مقتدياً، وما أدّى وهو الصّلاة منفرداً لم يوجد له ابتداء تحريمه وهو بعض الصّلاة، لأنّه صار منتقلاً عمّا كان هو فيه إلى هذا فيبطل ذلك، وما حصل فيه بعض الصّلاة فلا يخرج عن كلّ الصّلاة بأداء هذا القدر‏.‏

والمالكيّة متّفقون على أنّ المقتدي يبني في الرّعاف، إلاّ أنّ الأفضل عند مالكٍ أن يقطع المقتدي الرّاعف الصّلاة بكلامٍ أو غيره فيغسل عنه الدّم، ثمّ يبتدئ الصّلاة كي يخرج من الخلاف ويؤدّي الصّلاة باتّفاقٍ‏.‏

وإذا عاد الرّاعف ينبغي أن يشتغل بقضاء ما سبق به في حال تشاغله بالوضوء عند الحنفيّة وسحنونٍ من المالكيّة، لأنّه لا حقّ فكأنّه خلف الإمام، فيقوم مقدار قيام الإمام من غير قراءةٍ، ومقدار ركوعه وسجوده، ولا يضرّه إن زاد أو نقص‏.‏

أمّا المالكيّة فيقولون على المذهب فيما إذا اجتمع للرّاعف القضاء والبناء‏:‏ أن يقدّم البناء على القضاء، لأنّ القضاء إنّما يكون بعد إكمال ما فعله الإمام بعد دخوله معه‏.‏

وهذا جائز عند جمهور الحنفيّة أيضاً، فقد قال الكاسانيّ‏:‏ لو تابع إمامه أوّلاً ثمّ اشتغل بقضاء ما سبق به بعد تسليم الإمام جازت عند علمائنا الثّلاثة خلافاً لزفر، بناءً على أنّ التّرتيب في أفعال الصّلاة الواحدة ليس بشرطٍ عندنا، وعنده شرط‏.‏

وللتّفصيل ‏(‏ر‏:‏ قضاء الفوائت‏)‏‏.‏

8- أمّا إذا كان الرّاعف إماماً فإنّه يؤمر بالاستخلاف فيتوضّأ، أو يغسل الدّم - كما يقول المالكيّة - ويبني على صلاته على نحو ما ذكر في المقتدي، لأنّه بالاستخلاف تحوّلت الإمامة إلى الثّاني، وصار هو كواحدٍ من المقتدين‏.‏

‏(‏ر‏:‏ استخلاف‏)‏‏.‏

أثر الرّعاف على الصّوم

9 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ من رعف فأمسك أنفه فخرج الدّم من فيه ولم يرجع إلى حلقه فلا شيء عليه، لأنّ منفذ الأنف إلى الفم دون الجوف، فهو ما لم يصل إلى الجوف لا شيء فيه، ومن دخل دم رعافه حلقه فسد صومه‏.‏

أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيؤخذ من عباراتهم أنّ ما يصل إلى جوف الصّائم بلا قصدٍ لا يفطر‏.‏ وللتّفصيل ‏(‏ر‏:‏ صوم‏)‏‏.‏

رعي

التّعريف

1 - الرّعي‏:‏ مصدر رعى الكلأ ونحوه يرعى رعياً، يقال‏:‏ الماشية رعت الكلأ أي أكلته، والرّاعي يرعى الماشية أي يحوطها ويحفظها، والجمع رعاة مثل قاضٍ وقضاةٍ، ورعاء مثل جائعٍ وجياعٍ، ورعيان مثل شابٍّ وشبّانٍ‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ للرّعي عن معناه اللّغويّ‏.‏

الحكم التّكليفيّ

2 - الأصل في الرّعي الإباحة لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ » المسلمون شركاء في ثلاثٍ‏:‏ في الكلأ والماء والنّار « فالكلأ ينبت في موات الأرض يرعاه النّاس وليس لأحدٍ أن يختصّ به دون أحدٍ أو يحجزه عن غيره‏.‏

وكان أهل الجاهليّة إذا غزا الرّجل منهم حمى بقعةً من الأرض لماشيته يرعاها يذود النّاس عنها، فأبطل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، وجعل النّاس فيها شركاء يتعاورونه بينهم‏.‏ وقد يعرض للرّعي بعض الأحكام الأخرى وتفصيلها فيما يلي‏:‏

منع أهل قريةٍ رعي غير مواشيهم

3 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجوز لأهل قريةٍ أن يمنعوا غيرهم من رعي مواشيهم في مراعي القرية‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ لو أنّ جماعةً عمّروا بلداً اختصّوا بحريمه، وحريمه‏:‏ ما يمكن الاحتطاب منه، والرّعي فيه على العادة من الذّهاب والإياب مع مراعاة المصلحة والانتفاع بالحطب وجلب الدّوابّ ونحو ذلك غدوّاً ورواحاً في اليوم، فيختصّون به‏.‏

ولأهل القرية عند المالكيّة منع غيرهم ولا يختصّ به بعضهم دون بعضٍ لأنّه مباح للجميع‏.‏

رعي حشيش الحرم

4 - يجوز رعي حشيش الحرم عند المالكيّة والشّافعيّة وأبي يوسف من الحنفيّة، وهو وجه عند الحنابلة، لأنّ الهدي كان يدخل إلى الحرم، فيكثر فيه، فلم ينقل أنّهم كانوا يكمّمون أفواهه، ولأنّ بهم حاجةً إلى ذلك فأشبه الإذخر‏.‏

ولا يجوز ذلك عند أبي حنيفة ومحمّدٍ، وهي رواية عند الحنابلة، لأنّه لمّا منع من التّعرّض لحشيش الحرم استوى فيه تعرّض الشّخص بنفسه أو بإرسال البهيمة عليه، لأنّ فعل البهيمة يضاف إلى صاحبها، كما في الصّيد فإنّه لمّا حرّم عليه التّعرّض استوى فيه اصطياده بنفسه وبإرسال الكلب‏.‏

واستدلّوا على حرمة التّعرّض لحشيش الحرم بما رواه ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ » إنّ اللّه حرّم مكّة، فلم تحلّ لأحدٍ قبلي ولا تحلّ لأحدٍ بعدي، وإنّما أحلّت لي ساعةً من نهارٍ، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلاّ لمعرّفٍ «‏.‏

أخذ العوض عن الرّعي في الحمى

5 - لا يجوز لأحدٍ من الولاة أن يأخذ شيئاً من أصحاب المواشي عن مراعي مواتٍ أو حمىً لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » المسلمون شركاء في ثلاثٍ‏:‏ الكلأ والماء والنّار «‏.‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا حمى إلاّ للّه ولرسوله صلى الله عليه وسلم « فإنّ المعنى لا يحمي لنفسه إلاّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لأنّه من خصائصه وإن لم يقع، ولو وقع كان للمسلمين، لأنّ مصلحته مصلحتهم، أو بأنّ المعنى لا حمى إلاّ حمى مثل حمى اللّه ورسوله من كونه لا عوض فيه ولا غير ذلك، فإنّه يحرم على الإمام أخذ العوض ممّن يرعى فيه كالموات‏.‏

ضمان الرّاعي

6 - لا ضمان على الرّاعي المستأجر فيما تلف من الماشية ما لم يتعدّ أو يقصّر في حفظها، لأنّه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعدٍّ كالمودع، ولأنّها عين قبضها بحكم الإجارة فلم يضمنها من غير تعدٍّ كالعين المستأجرة، فأمّا ما تلف بتعدّيه فيضمنه بغير خلافٍ‏.‏

وإن اختلف صاحب الماشية مع الرّاعي في التّعدّي وعدمه، فالقول قول الرّاعي، لأنّه أمين، وإن فعل فعلاً اختلفا في كونه تعدّياً رجعا إلى أهل الخبرة، وإذا خاف الرّاعي الموت على شاةٍ مثلاً وغلب على ظنّه أنّها تموت إن لم يذبحها فذبحها فلا يضمن استحساناً، وإذا اختلفا فالقول قول الرّاعي‏.‏

إجارة الرّاعي

7 - الرّاعي إمّا أن يكون أجيراً مشتركاً أو أجيراً خاصّاً، فتجري على كلٍّ منهما أحكام الإجارة‏.‏

وينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏إجارة ف 150/ج 1 ص 301‏)‏‏.‏

سقي الرّاعي من لبن الغنم الّتي يرعاها

8 - ذهب جمهور الفقهاء ‏"‏ الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‏"‏ إلى أنّه لا يحلّ لبن الماشية إلاّ بإذن صاحبها أو علم طيب نفسه، أو لمن كان مضطرّاً فحينئذٍ يجوز له ذلك قدر دفع الحاجة‏.‏

ودليلهم حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا يحلبنّ أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه أيحبّ أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه، فإنّما تخزّن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم، فلا يحلبنّ أحد ماشية أحدٍ إلاّ بإذنه «‏.‏

قال ابن عبد البرّ‏:‏ في الحديث النّهي عن أن يأخذ المسلم من مال المسلم شيئاً إلاّ بإذنه، وإنّما خصّ اللّبن بالذّكر لتساهل النّاس فيه، فنبّه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، سواء كان بإذنٍ خاصٍّ، أو بإذنٍ عامٍّ، واستثنى كثير من السّلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه وإن لم يقع منه إذن خاصّ ولا عامّ‏.‏ ا هـ‏.‏

وذهب الحنابلة إلى الجواز مطلقاً في الأكل والشّرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم ودليلهم في ذلك‏:‏ ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندبٍ مرفوعاً‏:‏ » إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب، فإن لم يكن فيها فليصوّت ثلاثاً، فإن أجابه فليستأذنه، وإلاّ فليحتلب وليشرب ولا يحمل «‏.‏

وكذلك ما رواه أبو سعيدٍ الخدريّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ » إذا أتيت على راعٍ فناده ثلاث مرارٍ، فإن أجابك، وإلاّ فاشرب في غير أن تفسد «‏.‏

قال ابن حجرٍ‏:‏ ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوهٍ من الجمع منها حمل الإذن على ما إذا علم بطيب نفس صاحبه، والنّهي على ما إذا لم يعلم، ومنها تخصيص الإذن بابن السّبيل دون غيره، أو بالمضطرّ، أو بحال المجاعة، وهي متقاربة‏.‏

رغائب

التّعريف

1 - الرّغائب جمع رغيبةٍ وهي لغةً العطاء الكثير، أو ما حضّ عليه من فعل الخير‏.‏ والرّغيبة اصطلاحاً عند المالكيّة على ما قاله الدّسوقيّ هي‏:‏ ما رغّب فيه الشّارع وحده ولم يفعله في جماعةٍ‏.‏

وقال الشّيخ عليشٍ‏:‏ صارت الرّغيبة كالعلم بالغلبة على ركعتي الفجر‏.‏

وقالوا أيضاً‏:‏ الرّغيبة هي ما داوم الرّسول صلى الله عليه وسلم على فعله بصفة النّوافل، أو رغّب فيه بقوله‏:‏ من فعل كذا فله كذا، قال الحطّاب‏:‏ ولا خلاف أنّ أعلى المندوبات يسمّى سنّةً وسمّى ابن رشدٍ النّوع الثّاني رغائب، وسمّاه المازريّ فضائل، وسمّوا النّوع الثّالث من المندوبات نوافل‏.‏

والرّغائب عند الفقهاء صلاة بصفةٍ خاصّةٍ تفعل أوّل رجبٍ أو في منتصف شعبان‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - نصّ الحنفيّة والشّافعيّة على أنّ صلاة الرّغائب في أوّل جمعةٍ من رجبٍ، أو في ليلة النّصف من شعبان بكيفيّةٍ مخصوصةٍ، أو بعددٍ مخصوصٍ من الرّكعات بدعة منكرة‏.‏

قال النّوويّ‏:‏ وهاتان الصّلاتان بدعتان مذمومتان منكرتان قبيحتان، ولا تغترّ بذكرهما في كتاب قوت القلوب والإحياء، وليس لأحدٍ أن يستدلّ على شرعيّتهما بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال‏:‏ » الصّلاة خير موضوعٍ « فإنّ ذلك يختصّ بصلاةٍ لا تخالف الشّرع بوجهٍ من الوجوه‏.‏

قال إبراهيم الحلبيّ من الحنفيّة‏:‏ قد حكم الأئمّة عليها بالوضع قال في العلم المشهور‏:‏ حديث ليلة النّصف من شعبان موضوع، قال أبو حاتمٍ محمّد بن حبّان‏:‏ كان محمّد بن مهاجرٍ يضع الحديث على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وحديث أنسٍ موضوع، لأنّ فيه إبراهيم بن إسحاق قال أبو حاتمٍ‏:‏ كان يقلّب الأخبار ويسوق الحديث، وفيه وهب بن وهبٍ القاضي أكذب النّاس ذكره في العلم المشهور، وقال أبو الفرج بن الجوزيّ‏:‏ صلاة الرّغائب موضوعة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكذب عليه‏.‏ قال‏:‏ وقد ذكروا على بدعيّتهما وكراهيتهما عدّة وجوهٍ منها‏:‏

أنّ الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من الأئمّة المجتهدين لم ينقل عنهم هاتان الصّلاتان، فلو كانتا مشروعتين لما فاتتا السّلف، وإنّما حدثتا بعد الأربعمائة، قال الطّرطوشيّ أخبرني المقدسيّ قال‏:‏ لم يكن ببيت المقدس قطّ صلاة الرّغائب في رجبٍ ولا صلاة نصف شعبان، فحدث في سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائةٍ أن قدم علينا رجل من نابلس يعرف بابن الحيّ، وكان حسن التّلاوة فقام يصلّي في المسجد الأقصى ليلة النّصف من شعبان فأحرم خلفه رجل، ثمّ انضاف ثالث ورابع فما ختم إلاّ وهم جماعة كثيرة، ثمّ جاء في العام القابل فصلّى معه خلق كثير، وانتشرت في المسجد الأقصى وبيوت النّاس ومنازلهم، ثمّ استقرّت كأنّها سنّة إلى يومنا هذا‏.‏ ا هـ‏.‏

‏(‏ر‏:‏ بدعة ف 23‏)‏ وانظر للتّفصيل مصطلح ‏(‏صلاة الرّغائب‏)‏‏.‏

الرّغيبة بمعنى سنّة الفجر

3 - الرّغيبة تدلّ على سنّة صلاة الفجر في اصطلاح المالكيّة، ورتبتها عندهم أعلى من المندوبات ودون السّنن، والمندوبات عندهم كالنّوافل الرّاتبة الّتي تصلّى مع الفرائض قبلها أو بعدها والسّنن عندهم نحو الوتر والعيد والكسوف والاستسقاء‏.‏

وعند ابن رشدٍ‏:‏ ركعتا الفجر سنّة لأنّه صلى الله عليه وسلم قضاها بعد طلوع الشّمس‏.‏ وعند الحنفيّة ركعتا الفجر من أقوى السّنن‏.‏

وعند الشّافعيّة والحنابلة هما من السّنن الرّواتب‏.‏

وانظر للتّفصيل مصطلح‏:‏ ‏(‏صلاة الفجر‏)‏‏.‏

رفادة

التّعريف

1 - الرّفد بالكسر العطاء والصّلة، وبالفتح القدح الضّخم ويكسر، والرّفد مصدر رفده يرفده أي أعطاه، والإرفاد‏:‏ الإعانة والإعطاء، والارتفاد‏:‏ الكسب، والاسترفاد‏:‏ الاستعانة‏.‏ والتّرافد‏:‏ التّعاون‏.‏

والرّفادة شيء كانت قريش تترافد به في الجاهليّة، فيخرج كلّ إنسانٍ مالاً بقدر طاقته، فيجمعون من ذلك مالاً عظيماً أيّام الموسم فيشترون به للحاجّ الجزر ‏"‏ الإبل ‏"‏، والطّعام، والزّبيب للنّبيذ، فلا يزالون يطعمون النّاس حتّى تنقضي أيّام موسم الحجّ، وكانت الرّفادة والسّقاية لبني هاشمٍ، والسّدانة واللّواء لبني عبد الدّار، وكان أوّل من قام بالرّفادة هاشم بن عبد منافٍ، وسمّي هاشماً لهشمه الثّريد‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - السّدانة‏:‏

2 - ومعناه خدمة الكعبة‏.‏ تقول سدنت الكعبة أسدنها سدناً إذا خدمتها، فالواحد سادن والجمع سدنة، والسّدانة بالكسر الخدمة، والسّدن السّتر وزناً ومعنىً‏.‏

ب - الحجابة‏:‏

3 - الحجابة اسم من الحجب مصدر حجب يحجب، ومنه قيل للسّتر‏:‏ حجاب، لأنّه يمنع المشاهدة، وقيل للبوّاب حاجب، لأنّه يمنع من الدّخول‏.‏

ومنه حجابة الكعبة، وكانت في الجاهليّة لبني عبد الدّار‏.‏

ج - السّقاية‏:‏

4 - وهي موضع يتّخذ لسقي النّاس، والمراد بها هنا الوضع المتّخذ لسقاية الحاجّ في الموسم‏.‏

د - العمارة‏:‏

5 - العمارة اسم مصدرٍ من عمّرت الدّار عمراً أي بنيتها، ومنه عمارة المسجد الحرام‏.‏

مكانة الرّفادة في الشّرع

6 - الرّفادة والسّقاية والعمارة والحجابة من الأمور الّتي كانت تفتخر بها قريش في الجاهليّة، ويعتبرونها من الأعمال الّتي يمتازون بها عن غيرهم من العرب، فهم حماة البيت يصدّون الأذى عنه، ويطعمون ويسقون من جاءه حاجّاً أو زائراً، وقد بلغ بهم الأمر أن جعلوا هذه الأعمال كعمل من آمن باللّه واليوم الآخر وجاهد في سبيله، وقد أنكر اللّه سبحانه وتعالى عليهم ذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏‏.‏

الحكم الإجماليّ

7 - الرّفادة مشروعة لإقرار الإسلام لها، وهي من وجوه البرّ، لأنّها إكرام للحجّاج وهم ضيوف الرّحمن، وهي صدقة على الفقراء منهم، وصلة لغيرهم‏.‏